القصة ومافيها

النور عادل يكتب : نحن اربعون مليون محلل سياسي

-لو كان تعدادنا ٤٠ مليون إنسان الان، فنحن فعليا ٤٠ مليون محلل وخبير سياسي، نحن شعب يعشق النقد السياسي بقدر عشق العالمين للإنجاز الصامت دون صخب.

نقلت الأخبار أن الشاب مارك زوكربيرغ مؤسس ومالك فيسبوك، ربح خلال هذه الايام لجائحة كورونا حوالي ٣٠ مليار دولار. هل سمعتم به احتفل؟!

-قديما أو قل حديثا قبل حوالي نصف قرن ويزيد اضطر الروائي العالمي اللاتيني العبقري غابرييل ماركيز لأن يرسل نصف مسودة رائعته “الحب في زمن الكوليرا” لأنه لا يملك ثمن البريد لكامل المسودة!
واليوم في ظل حالة السيولة الأدبية وعصر الpdf صار كل عاطل متبطل عن العمل روائيا وله جمهور! هذا زمانك يا مهازل فامرحي!

-نحن نعيش عالم مجنون بكل معنى الجنون عند الأطباء النفسيين، عالم مزدوج، واقعي بارد رتيب. وافتراضي حي صاخب مثير ومهيج للدوبامين في عقول رواده، عالم يعشق اللذة الجسدية العابرة في صورة Gif وينسى ويغفل من أن ينحني لشم عبير زهرة نبتت على جانب الطريق، ولا يرى في تراكم السحاب اي جمال إلهي لأنه يحسب ماديا كلفة هطول المطر على سقف بيته وتكلفة “الفلنكوت” ..فبات طلاء الزفت على العقول والأحاسيس مقدما على طلاء أسقف البيوت.

-فعليا ومن خلال معايشتي لعوالم افتراضية أستطيع أن أجزم اننا نعيش عصر الإشاعة، والتزييف الممنهج، نعم ممنهج ومتعوب عليه، وآلاف الصحف والمجلات الإلكترونية تعيش من وراء الإشاعة، وحركت “الترافيك” على اخبار من شاكلة (انظر فضيحة هيفاء الجديدة). بل وأسوأ وأحط تحولت جل مؤسسات العالم إلى الافتراضي، بثا للاكاذيب المتقنة، دسا للسم في الدسم، خلطا وتخليطا بين حق وباطل وحق وشبه حق، وباطل محض بباطل تشوبه صورة حق من وجه. والى الله يلجأ العميان للسير في وسط هذا الظلام الدامس المريب، في عالم مهما أنار، أعمى أرواحنا عن رؤية نهاية الجسر، ولا ندري اتحته نهر أو بركان.

-حالة النقد المجاني الان كمثال في الشأن العام السياسي، هي حالة نفسية أكثر منها رغبة وطنية في التعليق للتقويم، انتشار مهول لمجموعات الرأي من متخصصين وغير متخصصين، مئات (اللايفات) يوميا، مئات المنشورات والمقالات، وخطب عصماء تفند الواقع وتفككه بأفضل من التفكيكيين الأوائل. والحال على حاله! لا أحد يسمع الآخر، بل هناك أشبه ما يكون بحلبة للصراخ، من يصرخ أعلى يفوز بالصرخة القاضية.

-نحن، وأعني هنا والآن، بحوجة ماسة جدا لساعة صمت نسمع فيها أنفسنا أولا، ماذا نريد؟ ونسمع فيها الآخرين جيدا، ماذا يقولون؟
بحاجة حقا لسماع بعضنا بدلا عن الصراخ المستمر في وجوه بعضنا البعض.

– “لا يوجد ما هو أفظع وأكثر مدعاة للاكتئاب من الابتذال”
أنطون تشيخوف.

مقالات ذات صلة

‫6 تعليقات

  1. ربنا يسدد قلمك يا أستاذنا
    حالة السيولة والهشاشة الأدبية مرتبطة بإرتهان التمسز للوقاحة والجنسانية

  2. من أكبر أسباب عدم تطور البلد للأسف الفلسفه البتعمي بصر ناس كتير وبتخلي الشعب ما يعرف مصلحتو الحقيقيه وين وللأسف ده واقعنا ونحن عمرنا ما حنعترف بالحاجه دي انتقاديين جدا حتى لو كنا على باطل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق