مجرد رأي

وائل عبد الخالق يكتب : ما بين تسعة طويلة ومجزرة كرينك السودان ينزف

ولسخرية الاقدار فاتفاق جوبا للسلام لم يضف لثورة شعبنا شي سوي مزيد من القتل والسرقة والابادة الجماعية، في ظل تواطؤ أطراف جوبا للسلام والتفافهم على الثورة والانقلاب عليها.
لم يكتفي كارتيل العسكر الرسمي “الجيش” وشبه الرسمي “الدعم السريع” والغير رسمي “الحركات المسلحة” بالانقلاب على الحكم المدني الانتقالي، ولم يكتفوا بسرقة ونهب منجزات الحكومة الانتقالية الاقتصادية وارصدة بنك السودان من مليارات العملات الأجنبية واحتياطي الذهب، ولم يكن كافيا لهم اطلاق سراح الكيزان واعادة ممتلكات الشعب التي نهبوها وفك تجميد ارصدتهم واستهداف لجنة إزالة التمكين وتزييف التهم وتطريز القضايا ضد قيادات اللجنة للدرجة التي جعلت اراجيز نحيبهم من ترزية القوانين الذين عينوهم في النيابة والقضاء لا يجدون ما يدينون به شرفاء لجنة إزالة التمكين او استمرار اعتقالهم السياسي وليس الجنائي رغم أنف من ليسوا بآمال ولا زين.
كل ذلك لم تكتفي به الكارتيلات الحاكمة فاضطرت لمواجهة ثورة الشعب التي تقودها لجان المقاومة بحنكة واقتدار الي دعم وإطلاق يد عصابات تسعة طويلة ضد الشعب في محاولة يائسة ومثيرة للرثاء لكسر شوكة الثورة وشعبنا العظيم في خط واضح تتبنى فيه تأسيس فوضى وانفلات أمني يقود الرأي العام لمطالبة القوات النظامية ببسط هيبة الدولة واعطاءها الفرصة مرة أخرى بدعوات وحجج احتياج البلاد لغطاء أمني لا يتوفر الا لدى كارتيلات الانقلاب الحاكم.
ولكن هذا الشعب الثائر والمعلم قرر ان يلقنهم درسا اخر في كيفية التعامل مع أدوات عبثهم وفوضاهم الأمنية المتمثلة في عصابات تسعة طويلة.
وقد يقول قائل هنا أو هناك بأن مبدأ العنف مرفوض وان ما تتم ممارسته ضد تسعة طويلة هي انتهاكات إنسانية وأننا كقوى تغيير تؤمن بالحقوق والعهود الدولية والقيم الكونية لا يجب أن نمارس او ندعو او ندعم مثل هذه الانتهاكات، وهذا القول صحيح تماما من حيث المبدأ المجرد، ولكننا بمجرد ان نقاربه وفق محددات الواقع فإننا نجد أنفسنا أمام احد امرين هما :
اولا: ان نكون نصوصين ومؤدلجين تجاه هذه القناعات ولا نقبل بوجود استثناءات او حقوق أسمى وأكثر عمقا تستدعي تجاوز هذه القناعات في الظروف الاستثنائية.
ثانيا: ان نعترف ونواجه أنفسنا بأننا نحتاج للتفكير والممارسة بشكل واقعي في ظل محددات وظروف الواقع المتغيرة، وانه وفقا لذلك فإن بعض الحقوق الاساسية هي أسمى ومقدمة على بقية الحقوق والمبادئ والقناعات.
إن حق الإنسان في الحياة هو حق مقدس واسمى من مبدأ رفض العنف، وأن كانت تسعة طويلة تهدد هذا الحق فإن كل الشرائع والقوانين قد كفلت للانسان ان يدافع عن نفسه وحياته.
كما أن حق الإنسان في ان يعيش كريما وآمنا على أهله وماله وارضه هي حقوق مقدسة وسامية وتستحق الدفاع عنها بشكل لا يقبل الشك وقد كفلت ذلك كل العهود والمواثيق فضلا عن الاعراف والتقاليد الإنسانية.
إن ممارسات تسعة طويلة تهدد حياة الناس واعراضهم واموالهم وبيوتهم اي أراضيهم ومهما كانت الوسائل والأدوات التي يدافع بها السودانيات والسودانيون عن أنفسهم واموالهم وبعضهم البعض فهي حق مكفول ولا يمكن باي حال من الأحوال تفريغه من محتواه تحت دعاوى مثالية تجنح للنصوصية اكثر من مواكبة محددات وتحديات الواقع.
هذا الرأي لا يجب فهمه كدعوة للعنف وإنما يجب تفسيره في سياق ان العنف نوعين:
عنف سلبي وهو ما تمارسه آلة الدولة واجهزتها تجاه المتظاهرين السلميين وايضا ما تمارسه عبر أداة تسعة طويلة تجاه جموع وجماهير الشعب السوداني.
وعنف ايجابي وهو ما يقع ضمنه ردة فعل الشارع السوداني او بعضه تجاه العنف السلبي الواقع ضدهم من الدولة عبر عصابات ومرتزقة تسعة طويلة.
وهو عنف موجه بالأساس تجاه لصوص ومجرمين ومتحرشين وليس تجاه مجموعات سكانية او اثنية او جهوية بعينها.
إن القانون كوسيلة لتنظيم حياة الناس ومعاملاتهم وعلاقاتهم داخل اي مجتمع بشري هو منتج بشري توافقي يستمد سلطته وسطوته من تراضي المجتمعات وتفويضها لأجهزة إنفاذ القانون، وعليه فإن الناس جميع الناس في اي مجتمع بشري هم اساس السلطة وتفويضها، وحين تعجز الأجهزة الشرطية والعدلية والقضائية عن إنفاذ القانون أو تمتنع عن ذلك فإن للشعب بوصفه السلطة العليا أن يعيد تنظيم نفسه ويفرض عبر ادواته الشعبية ما يتيح له الحفاظ على أمنه وحقوقه الاساسية التي تفوق بل وتعتبر مقدمة على ما عداها من حقوق أخرى، وهذه أيضا ليست دعوة للفوضى او ان تسود شريعة الغاب وإنما هي نتاج لواقع مفروض علينا كشعب للأسف.
كل ما تقدم ذكره مقروءا مع أحداث مجزرة كرينك التي ليست هي الأولى ولن تكون الأخيرة جميعها مؤشرات لا تدع مجال للشك بأننا نعيش في أوضاع مأساوية واستثنائية وان حالة الفوضى والسيولة السياسية والأمنية التي انتجها انقلاب ٢٥ أكتوبر قد وضعت البلاد ضمن حالة الحرب، الأمر الذي يعرف كل هذه الأنشطة لتسعة طويلة او نشاط المليشيات شبه الرسمية وغير الرسمية في مختلف مناطق البلاد بأنها أسلحة حرب يتم استخدامها عمدا لتحقيق مصالح الكارتيلات المتحالفة في الحكم الانقلابي جميعها او مصالح بعض من مراكز القوى داخلها.

ان دعم ومساندة الثورة والتغيير في السودان لم يعد ذو اهداف سياسية واقتصادية واجتماعية فقط بل انه الان يتعدى ذلك بعد أن أصبحت حياة الناس واعراضهم واموالهم في المحك، لذلك كنت وما زلت من الذين يؤمنون بأن لجان المقاومة هي خط الدفاع الأول والاخير عن الثورة ونضيف الان انها بجهدها وتنظيمها وقيادتها للشارع فهي خط الدفاع الأول والأخير عن حياة شعبنا أيضا.
فيا شعبنا
تلك هي اللجان تملأ الشوارع ثورة تأبى على الانكسار او التراجع
وهذا هو حكم الكارتيلات الانقلابيين يهدد حياتك وامنك ومالك واهلك
اذن لا خيار سوى الثورة
والمقاومة
ولجان المقاومة هي القائد وهي الأمل المرتجى

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى