مزامير

متوكل الدسوقي يكتب : كده كيف؟؟

● ود العباس الرجل الستيني سائق الحافلة المدرسية تعود على الاستيقاظ مبكرا قبل ( النباه ) الاول لان مهمته كانت ترحيل الطلاب من منازلهم الى المدرسة في رحلة طويلة جدا تجوب الخرطوم من غربها الادنى الى شرقها الاقصى يحمل اكثر من خمسين طفلا ليحل بهم في المدرسة قبل السابعة موعد قرع الجرس ايذانا ببداية اليوم الدراسي وهو عمل ظل يداومه الرجل لسنوات طويلة عقب عودته من رحلة اغتراب كان حصادها تلك الحافلة لذلك اصبحت شغله الشاغل وقل ما تجده بعيدا عن مقود السيارة ذات الصوت الخشن بفعل الزمن وكثرة ( العمرات ) التي تعرضت لها وهي تنهب الطريق جيئة وذهابا حتى حتى خلناها حفظته عن ظهر قلب ، لم يعرف ود العباس طعما للراحة فكان بالامسيات يقوم بترحيل الفرق الرياضية الى دار الرياضة او ميدان ( الليق ) ويوم الجمعة كان يوم الصيانة الدورية للسيارة وقل ان تجده راجلا ، هكذا عرفناه ولكن بعد الإجازة الجبرية بسبب جائحة كورونا تغير برنامج ود العباس فلم يجد شيئا يفعله وهو قد تعود على الحركة ولا يجد للركون او ( الركلسة ) سبيلا ، اظنه كان اكثر الناس تأثرا بتداعيات الفايروس لانه اصبح عاطلا بدرجة امتياز بعد توقف المدارس ودوريات كرة القدم .
● هذا الفراغ الكبير في حياة الرجل جعلنا نكتشف فجأة انه شخصية اجتماعية من الدرجة الأولى وصاحب حس فكاهي كوميدي .
يستيقظ ود العباس الساعة الثالثة صباحا ويذهب الى المخبز القريب من منزله كأول شخص يصل الى ( الفرن) ان لم يسبقه شخص او اثنان علما ان توزيع الرغيف يبدأ عند الخامسة وينتظر الرجل حضور كل من يعرفه في الحي ليقول له ( حجزت ليك قدامي هنا خش ) وبذلك يكون هو آخر من يشتري الرغيف رغم انه اول الحضور ، وكان يستمتع بذلك كثيرا رغم انه يعيش هو وزوجته فقط الا انه يصر ان يشتري كل يوم رغيف اكثر من حوجته بكثير ويوزعه على جيرانه ويفعل ذلك يوميا .
● وبالامسيات يجمع الناس حول منزله ( ليونسهم ) عن ذكرياته في الغربة ومغامراته مع صفوف البنزين وذكريات السائقين المثيرة اثناء سفره في الولايات او ترحيله للمناسبات الخاصة وفرق كرة القدم ، يتحدث في كل شيء حديث العالم ببواطن الامور فتجده في الرياضة يتحدى شطارة ( مازدا ) واذا حدثك عن الاقتصاد يضاهي ( حمدوك ) يتحدث في كل شيء حتى السياسة الامريكية وكيف فاز ترامب .. يجد الناس متعة في مجالسته والبعض يعجبه اكثر ( شاي ) اللبن الذي يزين به ود العباس ( القعدة ) .
● تحدث بطلنا عن ( كورونا ) حديث العارفين واعطاها فزلكة تاريخية وقال ان هذا المرض ليس بجديد وموجود في الخليج منذ القدم ويعرف عند السودانيين بنزلة الحجاج التي تصيب اغلب القادمين من الشعائر المقدسة ولكنه اتخذ شكلا متطورا استعصى على مناعة الجسم ( هذا طبعا على حد قوله ) ..
● هذه الرواية الحقيقية مع اختلاف بعض تفاصيلها تجدها في كل حي وفي كل شارع سوداني يتحدث الناس عن الفايروس الجديد وبامكانه ان يحصد اغلب ارواح السودانيين ولكن للاسف لا يطبقون هذه المحاذير على انفسهم ، تجمعات داخل الاحياء وخارجه غير عابئين بالخطر الذي يحدق بهم وبأسرهم وكل يوم يزداد الامر سوءا بازدياد عدد المصابين والموتى والمخالطين .
● سنفقد كل يوم عزيزا ان استمررنا بهذا الاستهتار ، تجمعات هنا وهناك وتظاهرات وفوضى وتشكيك في وجود المرض وسيستمر هذا الامر الخطير بعدم وجود رادع او حلول للأزمات الحياتية فالبعض يقول لك ( كرونا ولا الجوع ) الخروج الى الشارع في هذا التوقيت للاحتجاج يعتبر جريمة لانه نذر خطر على الجميع فقد بدأ الفايروس مرحلة الانتشار المجتمعي وهي اخطر مرحلة له .
● نحن كسودانيين عرف عنا التكافل والتلاحم ونجدة الملهوف بامكاننا ان نتعاون اجتماعيا واقتصاديا لنعبر هذه المرحلة وبعد ذلك لكل حادثة حديث فهذه الفترة كفيلة بان تمنح الحكومة وقتا لمعالجة كل المشاكل التي يمر بها المواطن فلا توجد اوجه صرف مرهقة في فترة الاغلاق الكامل ومن المفترض توجيه كل الميزانيات الموجودة لتحسين معاش الناس وهذا ما ننتظره .

■ مزمار اخير :

نحن اذا اختلفنا سوا
بنطيع الصاح
واذا بتنا القوى بنرتاح
اذا تمن الملح والعيش
رضى الشمات ..

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق