مقالات

هشام عبدالملك الجزولي يكتب : المشير سوار الذهب

كنت أجلس أمام أحد المطاعم، في شارع العرب في مدينة بانكوك، أثناء مباريات كأس آسيا 2007.. وكنت قد قدمت إلى المدينة الأكثر شهرة في جنوب شرق القارة الصفراء، من هانوي، حيث رافقت منتخب الإمارات لكرة القدم، الذي شارك في الحدث، ضمن مجموعة ضمته إلى جانب كل من أصحاب الأرض منتخب فيتنام وقطر واليابان، ثم خرج من الدور الأول.. وبينما أنا أتابع حركة الناس في الشارع المزدحم بالخليجيين، مر من أمامي المشير سوار الذهب، عليه رحمة الله، بصحبة إبنه الدكتور محمد، ومندوب منظمة الدعوة الإسلامية المحلولة، وقنصل السودان الفخري.. فوقفت لتحيتهم، ودعوتهم للجلوس، فجلسوا قليلا، ثم دعوني لتناول طعام الغذاء، فاستجبت لدعوتهم شاكرا ومقدرا..
إلى هنا، والأمر طبيعي ولا يستحق حتى التسجيل.. ولكن ما حدث بعد ذلك، هو الذي أثار اهتمامي.. فالمشير الراحل، ويبدو أنه كان في مهمة رسمية، جعلني أفهم أن الدعوة في حقيقتها موجهة لي من المنظمة التي هو رئيس مجلس أمنائها.. أي أن مندوب المنظمة هو الذي سوف يدفع الحساب.. ثم أشار إلى إبنه الدكتور محمد بأن لا يطلب طلبا خاصا لنفسه، لأنه سوف يقتسم معه نصيبه من الأكل، بحكم أنه لم يكن مدعوا مثلي!! فأومأ إليه الدكتور محمد بالموافقة!!
هكذا كان المشير سوار الذهب في شخصه، ولكنني مازلت أحتار كيف ارتضى لنفسه أن يجلس على قمة تنظيم مارس كل ذلك الفساد الممنهج، الذي دمر اقتصاد البلاد، وهو رجل بكل تلك الشفافية والحس الديني، أم أنهم أعطوه منصبا شرفيا، ثم غيبوه عن تلك الممارسات التي ربما يستعيذ منها إبليس بالله، إن طلبوا منه القيام بها!!
تحدثت إلى الرجل، والتقطت له صورا من الكاميرا الصغيرة التي كنت أحملها معي، بعد أن عرف أنني صحفي، وللأمانة، فإنه لم يطلب مني عدم النشر، أو عدم تسجيل ردوده على أسئلتي، ولكنني آثرت أن أكون شفافا معه، وأن (لا أقشر به)، على الرغم من أن نشر أي حوار مع شخص في مقامه، كان يمكن أن يدفع بأي صحفي مبتدئ إلى الصفوف الأمامية، أيا كان قيمة ذلك الحوار.. ولكن هذا ما حدث.. أولا، لأنني لم أـسأله عن أسرار انقلابه على النميري، تقديرا للحظة التي التقيته فيها، وموافقته على الجلوس معي، باعتباري مواطن سوداني وجده أمامه في بلاد الغربة، ومن غير الحصافة أن أتطفل عليه..
غير أنني لو لقيته اليوم، لسألته عن أشياء كثيرة، ليس بسبب الحس الصحفي، وإنما بسبب الغبن الذي أصابني بعد أن كشفت الثوار حقيقة تلك المنظمة الفاسدة.. والله أعلم!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق