ثقافة وفن

يحيى صديق يكتب : لكي لا يكون تحاملا

مع تصاعد خطاب الكراهية ضد العروبة في دارفور، وتحول الخطاب نحو مهاجمة الاستعراب وخصوصا لمجتمعات البرتي المتحدثة بالعربية، يتوجب علينا الرد بإيجاز
بيت الباسنقا مسؤول مسؤلية تاريخية باستعراب أكثر من ٤مليون في دارفور وجعل اللغة العربية لغتهم الأم، وفخر لنا..
لكن ذلك لا يعني أن الاستعراب سيئ وان يتم تسميته بالجريمة التاريخية
فالباسنقا وحدوا القبائل المتصارعة تحت منظومة سياسية واحدة، وعززوا التمدن وقيام مجتمع يتعامل وفق قانون مشترك لا وشائج عشائرية، واللغة العربية كانت دفعة تطور في تاريخ مجتمعات دارفور والبرتي
و ادعم حقيقة الاختلاف اللغوي والإثني ، وشيء يشرفني ان انتمي لكل مختلف لكن لن ارضى في أن يتم شيطنة وجودي وتاريخ كامل لتفاعل ثقافي وتاريخي

إذا كان في اسلمة وتعريب اكبر قبائل دارفور النوبية، جريمة… فلنا الفخر في القول انها كانت سلماً بدون حرب ولا قهر، وأنه حتى داخل بيت الباسنقا نفخر بانتمائنا ونوبيتنا قبل عروبتنا المفترضة.
والباسنقا لم يجرموا في حق احدهم ولم يحتكروا امتيازاً ، قاموا على ما وجدوه بين الناس واختلطوا مع أهل دارفور قاطبة، وأحاطوا من حولهم بكل أهل السودان وفزان والصحراء، ولم يكتب لهم من بلاد تونس وحتى الهضبة ان يعتدوا على مال احد..

ولا شرف لنا في ادعاء كريم الأصل ولا كتابة التاريخ، لكن الاستعراب والأسلمة التي خدمها كل أهل الباسنقا منذ أن حطوا رحالهم في ديار تقابو لم تطمس هوية أحد.. بل تغنوا بأمهاتهم. احفاد البتول قيسا ولم يحتفلوا يوميا بانتماءهم للادارسة، وحتى عندما ظهرت مهدية الغرب التونسي ناصروها تدينا ورفضوها سياسة.
وادخلوا التيجانية في دارفور تديناً واحتفظوا بالنظم المحلية

ودعوات الكراهية المتصاعدة اليوم والتباكي على لغة بائدة لا معنى له، ولو كان فيها خير لما تركها الأجداد ..

تحميلنا وزراً مصطنعا متخيلا لا يضر الا حامله، وقولنا بأن البرتي شعب لا قبيلة.. تجمعه اواصر التمدن وحكم القانون والمصلحة المشتركة ، يتطلب فهماً لا كراهية وتجاوزا وخلقاً لا بعثاً لتراث بالي.

٢
وأي معنى في التحامل على الباسنقا لانهم عربوا نوبة البرتي، ألا يعد ذلك نجاح ومثال على استيعاب ثقافي مشرف؟ استيعاب ثقافي تم استيعاب العنصر العربي في الباسنقا أولاً وجعلهم نوبا مثلهم مثل كل مكونات البرتي؟
استيعاب ثقافي حرر الإنسان من ارتهانات المحدودية وعزز للتوله بالذات!؟

استيعاب ثقافي وسع العروبة لتتحمل حتى ثقافة الصحراء النوبية.. ونجاح مدوي لكل أفراد البرتي..

اعتزازنا كباسنقا نابع من حب الخليط العظيم الذي هو نحن، بكل اختلافاتنا، وكل عناصرنا المتوافرة ذات الأصول الدنقلاوية والتبوية والفوراوية والعربية والحمرية وحتى بيوت الجعليين والمسبعات الذين دمجوا قسرا أو لظروف قاهرة في كيان البرتي يفاخرون ويعتزون بانتمائهم لهذا الخليط!!
خليط ال٩٧ قبيلة وال٧٦ عشيرة
خليط أسس للمدنية الوحيدة المجهضة في دارفور.. أليس هذا فخر؟!

لكن التعامي عن كل ذلك ومحاولة البحث عن الجد المشترك، والعدو المشترك، وشيطنة الباسنقا؟
محاولة قلب كل ما هو حقيقي وعظيم بسبب كراهية العروبة؟

وأين المشكلة في الاعتراف بالبرتي بانهم شعب مستعربين ، أليس اعتراف بان بذرة التمدن ومستقبل دارفور بيننا، وأن عظمة النشأة التي لا يريدها احد تجبر على مراجعة النفس ألف مرة

وأين المشكلة في أن يتكلم البرتي العربية؟!
إليست قوة وتحصيل جهد مئات السنين

وما البرتي ؟!
أليسوا نتاج الحلف(*) الذي أرسى قواعد حكم القانون في دارفور!

٣
اتفهم المواقف المتشددة ضد الاستعراب، خصوصاً بين المتضررين من حرب دارفور الأخيرة ، لكن لا اتفهم اطلاقا موقف العداء. والكراهية تجاه الاستعراب بين مكوناتنا من ابناء البرتي..
فالعربية لغة الأب والأم منذ المولد، لها خصوصيتها وجماليتها، وتختلف لهجة البرتي عن كل لهجات المتحدثين بالعربية في السودان قاطبة، تحمل بين طياتها الفصاحة وسلامة اللسان التي نجدها عند أهل المغرب، وكذلك الأخطاء والخلط الذي يتميز به لسان دارفور
وأين العيب في ذلك، إذا كانت حتى الأسرتين الهاشمية والأدريسية تشبعت بالتركية والامازيغية؟!، ولم لا يتشعب لسان البرتي بالنوبية ؟

لكن أن يتم اعتبار العربية لعنة وانحطاط ؟… وكأن البرتي قبل الاستعراب كانت لهم لغة مكتوبة سجلت ونقلت اليها علوم العالم؟

العربية كانت بوابة تلاقح، مثلها ومثل درب الأربعين(**) والارتباط الروحي بتونس الخضراء وبالمتوسط، تلاقح أسسه نفس الباسنقا الذين يتم اتهامهم اليوم زوراً..
وإذا كان لي شرف الانتماء للباسنقا، فلي شرف مواصلة التاريخ كذلك، رسول تلاقح وانفتاح مع الآخر وحامل لموروث حب الاختلاف

وحتى يعترف الجميع انه ليس في الاستعراب عيب، كذلك فليعلموا بان الباسنقا عرب تحولوا نوبا، يحتفلون بنوبيتهم في لسانهم كل يوم، ولا شيء يربطنا بادريس المهاجر من تونس ، الا لساننا الذي نشارك الجميع فيه، ولكي لا يكون تحاملاً فإن دعوة طرد وشيطنة الباسنقا يجب ان يسبقها دعوة خلع لسان البرتي العربي، ولا يكون تحاملاً .. فان الباسنقا كانوا حماة هوية نوبا البرتي قبل غيرهم..

(*) الحلف: أو حلف السواني (الآبار العميقة) هو حلف بين شتات نوبا البرتي (سيقاتو وقتها) والميدوب والزغاوة، ووضع أساس اول تحالف سياسي اقتصادي امتد في منطقة شمال دارفور، وسميت العاصمة بساني حلف وامتدت السواني من وادي هور شمالاً وحتى الطويشة جنوباً

(**) درب الأربعين: الطريق التجاري الرابط بين دارفور وكل من ليبيا ومصر، كان يمر بالسواني باعتبارها محطاته الرئيسية، ويعتبر الشريان التجاري لدارفور وتشاد تاريخياً.

مقالات ذات صلة

تعليق واحد

  1. بروفيسور عبدالله الطيب كان قد طرح سؤالاً جوهرياً في مسألة عروبه بعض القبائل او تعريبها او اختلاطها مع قبائل عربية.

    أفتكر أن التأمل ومحاولة إيجاد جواب حقيقي وشافي لسؤال بروفيسور عبدالله الطيب يمكن أن يشكل لدينا رؤية حول كيف كان السودان القديم وهل فعلاً هنالك قبائل تشكل امتداد للثقافة العربيه في أفريقيا؟

    نص السؤال كالتالي :
    ” كيف دخلت اللغة العربية إلى السودان واستقرت في الوسط علماً بأن السودان تحده حضارات غير ناطقة بالغة العربية في جوانبة الأربع إلى يونا هذا، اللغة العربيه العاميه لأهل السودان لا تشبه لغات الدول العربية الأخرى لا دول شبه جزيره العرب ولا دوله أعلى وادي النيل ولا حتى دول المغرب العربي، إذن فمن اي أتت هذه اللغه؟ ”
    أعتقد أن الإجابه على هذا السؤال سيوضح لنا حقيقة ما نتوهم من عروبه زائفة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق