ثقافة وفن

إيهاب كمال يكتب : في حوش حميد

يقال ان الحزن هو الاحساس الوحيد الذي خالف قوانين المشاعر متخذاً من نهاياتها بداية له لايستاذنك الدخول بل يقتحم لحظاتك ويجتاحها تاركا خلفة مئات المشاهد المبعثرة علي رصيف الزكريات
لحميد تفاصيل نص تغني به محمد النصري خاطب فيها الراحل البحر والبحر عند اهل المنحني هو النيل مابين محمد(الحسن سالم حميد) ومحمد ( النصري) خرجت اغنية عميقة المعاني فالاول هو اصل الحرف الاعمق سالت كلماته وملات الفجاج كان مداده النيل المخاطب في النص ومكان الاغنية هو جريف ود شيخ قرية صغيرة تقع مابين كريمة والحامداب علي الضفة الشرقية من النيل وهي مسقط راس اسرة الفنان محمد النصري
في بداية النص مباشرة الخطابة الموجهه من الشاعر
لكل بنيات ومحبات( البحر) مصدراً حكمه واستنكاره القوي لماحدث :
(كلم بنيات الجرف
تتبري من بحرا غَدر
اتغابا ما راعى الولف
صاد الاخيتين بي قَدر )

قديما كان العرب اذا ارادو ايصال فكرة او بدء نقاش ،
كانو يبعثونه مع صاحب صوت غليظ يبدا في الصياح حتي تجتمع حوله القبيلة ومن ثم يوصل رسالته
نادي حميد بنيات الجرف وخصهم بالخطاب اولاً ثم التفت معمماً حديثه لكل قاري بصيغة المتلقي او المتحدث فغدر البحر وابتلاع امواجه لاخيتين لا يجب ان يمر دون ان نقف عنده.

( ليك حق يعافيك الحراز
واليصطفيك طرفي وعشر
يامتوك الناس العزاز
ونابع قليبك من حجر )

بعد ان امتلك إنتباه المتلقيين توجه نحو خصمه في مخاطبة
كاشفا عيوبه وقسوته واصفا منبع النيل في اثيوبيا بالحجر حيث ينبع من بحيرة فكتوريا
كل هذه القسوه كانت سبباً لسكن ومصادقة (الطرفي، والعشر) تلك الأشجار الطفيلية .. وللحراز أجر الترفع عن العيش بجوار قاتل لا يعرف الرحمة واختياره السمو والشموخ بعيدا عن ضفاف تحمل صدى بكاء المكلومين علي جانبيها هنا وهناك
(ما بتنفع انت بلا الخريف
الصاقعي والريح والمطر
تنزف نزيف ما بحوشو قيف
لا من يقولوا عليك خطر
ما اظن نخيلك
هز فوق سيرة عريس نازل البحر
ما طالا موجك ما بيضوق
لا يضوق الناس غير كدر )

المشهد السابق هو صورة واضحة لفيضان طالما كان له حيز في نصوص حميد يكفي مثالا نص ( الضو وجهجهة التساب) وفيها وضح الشاعر كل مايحدث عند فيضان البحر من هدم للجوامع وموت لكل اشكال الحياة ووآد لاحلام سبتمبر الذي يعقب الفيضان ويصادف عندنا حصاد التمر حيث تلتقي كل احلامنا من تلاقي وتعارف وزواج وافراح حصاد وإن عدنا للمقطع السابق عليك عزيزي القاري ان تضع كلمة (إن شاء الله) بصيغة الدعاء امام (تنزف نزيف مابحوشو قيف لامن يقولو عليك خطر)

كلم بنيات الجرف وكل المكاليم من طرف ..
ما ينظمن لي فد حرف
في الخان عهودن وانجرف
يا ريتو بس لو كان عرف
حال البشابن بي لهف
لي حضنو ..
الا المتلهف لي عز شبابن (كف) ختف !!

دوماً ماكان النيل هو شاهدنا الاول شهد ضحكاتنا الاولي مواعيد عشقنا السرمدية قلما تخلو قصيدة من زكر اسمه ولكن الحياة لاتتنازل عن ثوابتها فعدم الاتزان هو اصل الطغيان والاستبداد
في الابيات اعلاه كلمتين وحدهم بمثابة مشهد درامي كان من اجمل مشاهد طفولتنا ( كف.. ختف) كلمتان احتواهم آخر المقطع كانتا معنا في (الرمة والحراس.،،وفي بعض تفاصيل شقاوتنا،،وفي اولي خطط الهروب)
تناول حميد لهم هنا لم يخرج عن هذا السياق تربص البحر وتلكؤ الاختين مخافة السقوط وحين غفلة منهم( كف.. ختف)

( عودنلو قشكن النشف
يدغي ورويسات السعف
مكسور خويطره في قحف
ترغي وتسف ملح الأسف

بعد ان ألجم جماح البحر بدأ في مناداة وترجي الاختين بصورة تراجيدية تنقل معها الى تفاصيل لا تخطر ببال شاعر إلا حميد المتفرد

في المقطع السابق ركز حميد علي تفاصيل الحادث برسم لوحة تصف المشهد بدقة (القش) هو سبب نزول الاخيتين بعد اكمال حش القش يتم ربطه عادة بجريد النخل بنهاية ربطه تُرك عند طرف قِحف والقِحف هو إناء من فخار توضع فيه الماء ليسقي الحيوانات والطيور عند سقوط الاخيتين في البحر بدا النشاف يدب في القش وانتقل سريعاً لطرف الجريدة الذي انكسر من الاعلي وبدا سعفه يسقط في القِحف واصفاً اياه بالانكسار من هول المشهد والفجيعة

عودنلو والسمبر يرف جنحاتو بالاشواق سحر ..
قاصد جريف ود شيخ يخف لي مويتو من دون البحر
والليلي زي غيما رعف حين طال علي ريحو السفر
يا حليلو زينا ما عرف جوز القميريتين طفر

مشهد اخر للحزن الذي عم المنطقة بغرق الاختين
فها هو مشهد طائر السمبر وهو يسرع في طيرانه نحو امواج جريف ود شيخ دوناً عن كل القري المحيطة بالنيل ليعانقها عند السحر

(عودنلو والسمبر يرف جنحاتو بالاشواق سحر
والليلي زي غيما رعف حين طال علي ريحو السفر)
واليوم طيران السمبر لمسافات بعيدة غير متعود عليها ادي الي رعافة بعد ان عرف ان الاختين قد غرقتا

(يا حليلو زينا ما عرف جوز القميريتين .. طَفَر )
ياحليلو كلمة توضع للحنية من المتكلم (ياااحليلو) مااااعرف تقرا منفصلة (مااااا) و(عرف) للدلالة علي التاكيد والمعرفة
وطفر هي مصطلح عامي يدل علي رحيل صاحبه دون عودة

بعدها اتخذ خطابه منحي العوده للفطرة بوجوب الايمان بالقدر والصبر علي اهوال الدنيا فالموت مصير ينتظر كل حي
وبرغم قدم وخلود النيل الا ان تلقفه للفجائع وشهادته لكل مامرت به المنطقة لم تخفف من جموحه وطغيانه المتكرر كل خريف
وفي بلاغة تحسب لحميد لتأكيد بأن الموت لن يتوقف مهما تجدد زرف الدموع ومهما تكرر البكاء مع كل فاجعه جديدة
ولو كانت الدموع والحزن والاسف تهزه لتوقف الموت عند مشهد وفاة الرسول صل الله عليه وسلم وهو افضل الخلق أجمعين .

( يا دنيا يانا ربات كتف
رغم الفجائع لا رجف
لا قال عوارضي أبت تخف
في بالو كم تاريخ سلف
لوكأن بشيل في الموت
زرف دمعات أسى وحرقه أسف
آو بالعلي الحال يعترف
كان عن رسول الله وقف !! )

حين رفع الفاروق رضي الله عنه سيفه وهو الذي تخشاه الشياطين وردد لم يمت محمد لم يمت محمد وقالت فاطمة الزهراء كيف طوعت لكم نفسكم دفنه ومواراته التراب؟

(كلم بنيات الجرف
وكل المكاليم من طرف
هي الدنيا كلها كم حرف
لمن يطول فيها الأسف
هي الدنيا كلها كم حرف
لمن يطول فيها الأسف؟)

عاد في آخر الكلام لاخوات الشقيقات ولكل مكاليم البحر(مصابي الغرق) مستعوضاً ربه معترفاً بقضائه وقدره تاركاً لهن سؤال يحمل جوابه اليقين والعزاء لكل مكلوم ومحزون .. هي الدنيا كلها كم حرف لامن يطول فيها الأسف ؟! …

صدق حميد .. هي الدنيا كلها كم حرف ، لامن يطول فيها الأسف ؟؟!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق