خارج الصندوق

عبد الباسط سر الختم : دولتان ونظامان (3_3)

فِي المقالين السَّابِقِين تناولنا بِالتَّحْلِيل شَكْل الصِّرَاع عَلَى الْمُسْتَوِيَيْن الْمَدَنِيّ عَلَى شَاكَلَه التَّنَاحُر السِّياسِيّ والانقلابات العَسْكَرِيَّة وَفِي الْمُسْتَوَى الثَّانِي بالانماط العقائدية والجهوية مستصحبين محاولات التَّأْثِير وَالتَّحَوُّل بَيْن الْمُسْتَوِيَيْن وصعوباتها
إستكمالاً لِمَا بَدانَة ولنغلق هَذِهِ السِّلْسِلَةَ عَلَى أَمَلِ الْعَوْدَة لتفاصيل الصِّرَاع فِي أَوْقَاتِ أُخْرَى سنخصص هَذَا الْمَقَال لِإِيضَاح وَمُحَاوَلَة فَتْح نَفّاج آمَن لِإِعَادَة بِنَاء الدَّوْلَة

الْهُوِيَّة الوَطَنِيَّة

فِي ظِلِّ هَذِه الصراعات الْحَدِّيَّة أَصْبَح الانْتِماء للمشاريع (دينية/عرقية) هُوَ الْحِسُّ الْمُشْتَرَكِ وَالْقِيمَة الْأَعْلَى فِي ظِل وَطَن مُتَنازَع هوياتياً بِالْإِضَافَة لِتَحول الْخَطَّاب العِرقي إلَيّ مستويات كَرَاهِيَة تمظهرت فِي مِنْبَرِ السَّلَام الْعَادِل بقيادة الطَّيِّب مُصْطَفَى وماصاحبها مِن خِطَابَات عَنَّفَ فِي صَحِيفَةٍ الانتباهة كَمَا فِي الطَّرَفِ الْآخَرِ كَانَتْ إحْدَاث الِاثْنَيْن عَقِب وَفَاة الْقَائِد جَوْن قَرَنْق وَيَنْشَط فِي بَثِّ هَذِه الْخِطَابَات الْمُضَادَّة مُحَمَّد جَلَال هَاشِم وَهُنَا كَانَت عَمَلِيَّات تَجْيِير الصراعات الَّتِي كَانَتْ سِيَاسِيَّةٌ لَتَصِل إلَيّ مستويات دَنِيًّا عَلَى أَرْضٍ الْوَاقِعِ بَيْنَ عَرَبٌ إمتهنوا بِالتَّارِيخ الرَّعْي وأفارقة ممتهنين بِالزِّرَاعَة وبرغم الْجِوَار التاريخي والتعايش بَيْنَ هَذِهِ الْقَبَائِلِ فِي دارْفُور مَثَلًا وَلَكِن أَثَر الصِّرَاع النخبوي وَصَلَ إلَى ضَرْبِ التَّعَايُشُ السِّلْمِيُّ
وَهَذَا الْخِطَابُ العرقي مُمْتَدٌّ أيضاً فِي شَرْقٍ السُّودَان وَهُو يَخْدُم أجندات أَصْحَابِه أَكْثَرَ مِنْ الْفِئَة الدِّينِيَّةِ أَوْ الْعِرْقِيَّة

تمظهرات التَّخَلُّف عِنْد اسْتِخْدَامٌ التَّطَوُّر وَالِانْفِتَاح لِخِدْمَة التَّخَلُّف والتقوقع عَلَى الذَّاتِ

أَثَر وَسَائِل التَّوَاصُل الاجْتِمَاعِيّ عَلَى الْهُوِيَّة

عَلَى قَدْرِ مَا أَحْدَثَتْهُ التكنولوجيا وَالْمَعَارِف مِن مُعَيَّنَات فِي تَطَوُّرٍ وَرَفَاهِيَة الشُّعُوب فَقَد سَاهَمْت أيضاً فِي تَطَوُّرٍ أَنْمَاط الجَرِيمَة وَالْعُنْف
بِالرُّجُوع إلَيّ صِرَاع النظامين الْمَدَنِيّ والديني/العرقي نَجِد هُنَاك تَمَدَّد لِهَذَا الشُّقَاقُ فِي وَسَائِل التَّوَاصُل الاجْتِمَاعِيّ فَفِيه النُخب و المثقفين وَهُم متآثرين بِخِطَاب الامبريالية الَّذِي جَعَلَ مِنْ الهويات الْمَحَلِّيَّة عِبَارَةٌ عَنْ جُدْرَان عنكبوتيه وَاهِيَةٌ إمَام هَوِيِّه عالَمِيَّة كُبْرِي وَهَذَا التَّطَوُّر وَالِانْفِتَاح الْعَالَمِيّ يُجْعَلَ مِنْ الفَوَارِق الثَّقَافِيَّة الدَّوْلِيَّة لَيْسَتْ ذَات أَهَمِّيَّة دَعْك مِنْ شَعَبِ يَرْبِطُه تَارِيخ وجغرافيا مُشْتَرَكَة
هَذِهِ الْفِئَةُ متصالحة مَع الثَّقَافَات الْمُخْتَلِفَة وَإِن تَجَاوَزَت التَّعَصُّب الوَطَنِيّ الْمُرْتَبِط بِحُدُود الدَّوْلَة
الْفِئَة الثَّانِيَة هُم رَبَائِب الْخِطَابَات العرقية/الدينية وَهُم متمركزين فِي أَطْرَافِ الْمُدُن والارياف وَهُمْ مِنْ عَوَامِّ الشَّعْب ومحدودي التَّعْلِيم وَ فِي الْغَالِبِ وَقُود لخِطابات التَّمَايُز والتظلمات العرقية/الدينية
هَذِهِ الْفِئَةُ تَطَوَّرَت في نَمَط تواصلها وَتُلْقِيهَا خِطَابَات قَادَتِهَا وممثليها عَبَّر وَسَائِل التَّوَاصُل الاجْتِمَاعِيّ فَبِمُجَرَّد أَنْ تُحَدِّثَ مُشادَّة بَيْنَ عِرقين كَمَا حَدَّثَ فِي (كسلا/القضارف/البحر الأحمر) يتداعي مناديهم أَن هَلُمُّوا فَيَخْرُج كُلٍّ مِنْ تَصِلُه الرِّسَالَة حاملاً سِلَاحَه دفاعاً عَنْ وُجُودِهِ فِي الْحَيَاةِ وَحَفِظ نَسْلِه وَهُنَا نَجِد أَن الصِّرَاع الَّذِي كَانَ فِي السَّابِقِ مَحْدُود الْآن أَصْبَح وَاسِعٌ الِانْتِشَار ذُو طَابَعٌ يُمَاثِل حُرُوبٌ الْعِصَابَات وَيَصْعُب عَلَى الدَّوْلَة السَّيْطَرَة عَلَيْه أوالتنبؤ بِه

الضَّرُورِيِّ الْآن تَفْتِيت السُّلْطَة الْمَرْكَزِيَّة وَتَوْزِيعِهَا فِي أَدْنَى مستويات عَبَّر نِظَام البلديات وَتَوْسِيع صَلاحِيَّات الْعَمَلُ فِيهَا

أَمَا مِنْ مَخْرَجِ ؟ ؟
بالعودة نَجِد أَصْل الصِّرَاع حَوْل مَرْكَزِيَّة السُّلْطَة وَتَوْزِيعِهَا وَلِأَنّ السودانيين اِرْتبَطْت عِنْدَهُم مَفَاهِيم التَّنْمِيَة بِالتَّمْثِيل فِي السُّلْطَة فَقَدْ أَصْبَحَ مِنْ الضَّرُورِيِّ الْآن تَفْتِيت السُّلْطَة الْمَرْكَزِيَّة وَتَوْزِيعِهَا فِي أَدْنَى مستويات عَبَّر نِظَام البلديات وَتَوْسِيع صَلاحِيَّات الْعَمَلُ فِيهَا
وَنِظَام البلديات يَفْتَح الْفُرْصَة لِسَنّ تَشْرِيعَات مَحَلِّيَّة تتناسب مَع ثقافات وهويات الْمُجْتَمَع الْمَحَلِّيّ دَاخِلِ حُدُودِ الْبَلَدِيَّة بعيداً عَنْ الْمَرْكَزِ وَهُوَ نَظْم مَعْمُولٌ بِهَا فِي دُوَلٌ عَدِيدَة وَتَسْمَح للمجتمعات الْمَحَلِّيَّة بالاعتزاز بهويتها وَالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا
كَمَا أَنَّ نِظَام البلديات يُسَاهِمُ فِي إعَادَةِ تَشْكِيل الْأَحْزَابِ عَلَى نَسَقٍ قاعِدِي بدلاً مِن سُلَّطَة الخُرْطُوم والانتخابات الْمَحَلِّيَّة ستنشئ دِيمُقراطِيَّة أَكْثَر رسوخاً وَتُخَفَّف مِن مَرْكَزِيَّةالصِرَاع
كَمَا أَنَّ أَعَادَهُ بِنَاء الدَّوْلَة مِنْ الْقَاعِدَةِ إلَيَّ رَأْسٌ الْهَرَم يُسَاهِمُ فِي اسْتِصْحَاب مُشْكِلَات وَقَضَايَا الْمُجْتَمَعات الْمَحَلِّيَّة وَيُحَوِّل السُّلْطَة الْفِعْلِيَّةِ مِنْ رَأْسِ الْهَرَم إلَيّ الْقَاعِدَة وَيُسَاعِد فِي تَغْيِيرِ عَقْلِيَّةٌ إنتظار الْقَائِد الْمُلْهَم وَالْمُخَلِّص الْأَوْحَد
أيضاً نِظَام المحليات واللامركزية يُسَاعِد فِي اسْتِصْحَاب لُغَات وثقافات الْمُكَوِّنَات الْمَحَلِّيَّة فِي التَّخْطِيط التَّعْلِيمِيّ وَبِنَاء الْمَنَاهِج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق