خارج الصندوق

عبدالباسط سر الختم يكتب : السلام… الفردوس المفقود

لم أجد مدخل يتناسب مع تعقيدات ملف السلام والحرب في السودان سوى قصيدة جون ميلتون (الفردوس المفقود) والتي حملت قصة الإنسان منذ خطيئته الأولى وخروجه من الجنة ويقول في مستهلها:

وداعاً إذاً يا رياض الهناء
يا موطن السرور الأبدي
ومرحباً بالهم والغم
مرحباً بالدرك الأسفل
وأنت يا أغوار الجحيم السحيقة

إبان مفاوضات قوى الحرية والتغيير مع المجلس العسكري صرح أحد أعضاء المجلس العسكري (ذلك الوقت ) بأنهم حريصون على الوصول إلي إتفاق نهائي مع قوى الحرية لأنها تحمل بين طيات تحالفها صكوك السلام، ولعله حينها يقصد وجود الجبهة الثورية كمكون داخل تحالف قوى الحرية والتغيير
وفي واقع الأمر كانت الحركة السياسية مدنية ومسلحة أثناء إعتصام القيادة العامة كلها تعمل يداً واحدة، وكلها كانت حاضرة وممثلة في سوح الإعتصام حتى ان حركة العدل والمساواة وقتها إحتفلت بذكرى دخول أمدرمان مما أثار غضب الجيش وعده إستفزاز ، فأمر معركة أمدرمان لا يمس الحكومة السابقة وحدها وإنما يمس همة وشرف الجيش نفسه.

دخلت قوى الحرية والتغيير قاعات التفاوض دون حركات الكفاح المسلح مرجأة التفاوض معهم لاحقاً بعد تسوية الأمر مع المجلس العسكري والوصول لصيغة إتفاق نهائي وتشكيل الحكومة، وهذا الوضع فتح الفرصة للمجلس العسكري للدخول في مفاوضات موازية مع حركات الكفاح المسلح وفتح شهيته لإمكانية الوصول إلي إتفاق وتسديد هدف في مرمى القوى المدنية (قوى الحرية والتغيير)، وبالفعل شهد الواقع حينها تحركات المجلس لولا ضعف ثقة قادة قوى الكفاح المسلح في المجلس العسكري كان يمكن أن تغير تشكيل المسرح السياسي الحالي.

وموقف الجبهة الثورية الغريب بين اللا حرب واللا سلام حيث أن خروجها دون إتفاق من ساحات التفاوض الأول مع المجلس العسكري لتنتظر الجولة الثانية زاد من تعقيد المشهد فقد إشترطت بعد أن (غُيبت أو تغيبت) عن التشكيل الحكومي الأول عبر تكوين مجلس السيادة ومجلس الوزراء فأجبرت شركاء الأمس غرماء اليوم وقف إكمال التشكيل الحكومي (حكومات الولايات) لمابعد التوصل لاتفاق نهائي وهذا بدوره جعل من (حكومة الخرطوم كالعمدة بلا أطيان) فلم تخرج سلطات حكومة عبدالله حمدوك من حدود الخرطوم ولم يحس السودانيين/ات خارج الخرطوم بأي تغيير، فمازالت فلول النظام البائد تسير دولاب العمل بالولايات، وهذه الأخيرة إستفادت من هذا الوضع لتصعيد الأزمات وتأليب الشعب في الولايات على التغيير ووضع المتاريس أمام عجلة التغيير لإحباط الثوار وزرع الفتنة بين أصحاب المصالح المختلفة في التغيير.

بعد أن أكملت قوى الحرية و التغيير دورها في لبس عباءة المركز وهو الدور الذي ظلت تلعبه الحكومة المركزية دور النخبة الحاكمة أو المركز أو الجلابة ذهبت لتلتقي حركات الكفاح المسلح التي هي في الأساس جزء أصيل في التغيير حيث ساهمت بشكل تاريخي في إضعاف نظام الإنقاذ وتفكيك جبروته عبر فوهة البندقية،
وقد حققت حركات الكفاح المسلح تقدم كبير وإستطاعت أن تغض مضاجع حكومة الإنقاذ، فإستطاعت حركة العدل والمساواة الوصول إلى قلب الخرطوم في العاشر من مايو عام 200‪8 .
كما استطاعت أيضاً الحركة الشعبية تسديد ضربة موجعة لحكومة البشير بدخولها مدينة أبوكرشولا وتخوم مدينة أم روابة عام 201‪3
وتتمحور قضايا حركات الكفاح المسلح في مظالم تأريخية لشعوب وسكان بعض أقاليم السودان وقد سماها بعض المنظرين بالهامش وهو ماذكرته في بداية المقال فوجود هامش يحتم ضرورة وجود مركز وقد راجت أسطورة الهامش والمركز بشكل كبير على إثر أطروحة أنكرها النظام البائد سميت بمثلث حمدي (إشارة للاقتصادي واحد أركان النظام البائد عبدالرحيم حمدي).
وفي حقيقة الأمر فإن أطروحة الهامش والمركز وإن إجتهد معتنقيها في خلق بعد تاريخي لها إلا انها شابتها خروقات جوهرية، فبينما يعرف البعض الهامش بمنظور اقتصادي تنموي فيري فريق اخر في الهامش بمنظور ثقافي وعرقي واخر ديني.

عودة لملف السلام فردوسنا المفقود فلم تقاوم قوى الحرية والتغيير إرتداء حُلة حكومات النُخب  وتتقمص دور المركز الذي تشكل في اتفاقات تاريخية آخرها اتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية وحكومة البشير والتي ادت بشكل مباشر لانفصال الجنوب لأنها اعتمدت في الاساس على فكرة المركز والهامش كمدخل تحليلي مما أدى بدوره لتصغير مشكلة السودان (الدولة) التي تعاني من أزمات ملاحقة في كل ربوعها مع تفاوت حجمها الي تخصيص المشكلة بشكل عرقي/جغرافي مما فتح نفاجات الخلاص الفردي للشعوب.
أنتجت بعثة الحكومة الإنتقالية ووقود قوى الحرية و التغيير ذات المنتج سابق الذكر فقامت بتقسيم السودان لمسارات جغرافية غرب وشرق ووسط وجنوب وشمال.
وهذا التقسيم أعاد السودانيين/ات لمربع ماقبل الثورة بشعارها الثالوث السامي (حرية /سلام/عدالة) الي منطق المحاصصات وقسمة السلطة والثورة  فشهدنا اتفاقات سلام لمناطق لم تشهد حرباً بالأساس لتدخل حيز المحاصصات مما حفز ظرفاء السودنيين/ات للسخرية من أعلان توقيع اتفاقات من أجل الإعلان ليس إلا ومايزال الفيل لم يبرح مكانه بعد فمناطق الحروب الأساسية وحركات الكفاح المسلح التي تملك القوة والأرض ماتزال بعيدة عن حتى إعلان مبادئ وقد مضت تسعة أشهر من عمر الحكومة الإنتقالية، ويجدر بنا ان نُذكر أن قوى الحرية و التغيير قد تجاوزت مدة الستة أشهر الأولى لتحقيق السلام.
وكل يوم يعلن محمد حسن التعايشي تخصيص نسب لدارفور وماتزال بالجِبال حركات لم يشملها التفاوض وعند كل إعلان تجدد نظرتها وتقييمها لمطلوبات التفاوض.

وإن كانت فضيلة العودة ممكنه فلابد من معالجة مشكلات السودان في شكل قومي مع حفظ خصوصية المناطق المتأثرة بالحرب في التنمية وتحقيق شعار الثورة الحرية والسلام ونخرج من التصنيفات المسبقة وإنهاء الحفر في تباينات الشعب وظلاماته التاريخية والعدالة عبر تأسيس جديد للدولة. فلتكن الجمهورية الثانية،
 فتُرى هل بالإمكان تغيير ماكان أم أننا سنخرج من الجنة خروجا أبديا ونرزح في غياهب اللعنة الأبدية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق